مريم محمد خليل
لم يكن وصول برنامج «الكلام علي مين» في موسمه الثالث إلى حاجز الـ70 حلقة مجرد رقم جديد يضاف إلى مسيرة البرنامج، وإنما جاء بمثابة محطة مهمة في تجربة إعلامية اختارت منذ بدايتها أن تبحث عن طريق مختلف بعيدًا عن القوالب المعتادة التي اعتادها الجمهور في المحتوى الفني والترفيهي، وهو ما جعل الإعلامية مريم عوض تحتفل بهذا النجاح باعتباره ثمرة رحلة طويلة بدأت بفكرة بسيطة، ثم أخذت تتطور موسمًا بعد آخر حتى أصبحت تحمل ملامح وهوية خاصة بها، وسط تفاعل لافت من الجمهور وعدد كبير من نجوم الفن في الوطن العربي وخارجه، إلى جانب أسماء من الوسطين الهندي والتركي، وهو التفاعل الذي منح البرنامج مساحة مختلفة وأكد أن المحتوى الذي يمتلك فكرة واضحة وقادر على صناعة هويته الخاصة يستطيع الوصول إلى دوائر أوسع من حدود الجمهور التقليدي.
ومنذ انطلاق «الكلام علي مين»، لم تكن الفكرة قائمة على تقديم حوار تقليدي مع ضيف أو إعادة إنتاج الشكل المعتاد للبرامج الفنية، بل اتجه البرنامج إلى بناء حلقاته على فكرة السؤال واللغز والحكاية، وربط حياة الشخصيات الفنية بنماذج من الحكم الشعبية والأمثال المتداولة في التراث العربي، ليصبح المشاهد أمام محتوى يجمع بين المعلومة والقراءة الفنية والفضول والتشويق، وهي خلطة لم تكن مألوفة بهذه الصورة في المحتوى الإعلامي الفني، خصوصًا أن البرنامج استطاع أن يمنح الموروث الشعبي مساحة داخل موضوعات تتعلق بالنجوم وصنّاع الفن، وكأنه يعيد تقديم الحكمة القديمة بلغة إعلامية معاصرة تضعها في مواجهة أسئلة الحاضر وشخصياته.
واللافت في تجربة «الكلام علي مين» أن كل موسم لم يأتِ باعتباره نسخة مكررة من الموسم السابق، وإنما حمل طابعًا خاصًا ورؤية مختلفة، وهو ما ساعد البرنامج على الاستمرار وعدم الوقوف عند حدود الفكرة الأولى، فكل مرحلة كانت بمثابة محاولة لإعادة اكتشاف المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها البرنامج، مع الحفاظ على هويته الأساسية التي تقوم على السؤال واللغز والحكمة والمفارقة والقراءة المختلفة للشخصية التي تتناولها الحلقة، وهو ما جعل الانتقال من موسم إلى آخر ليس مجرد استمرار زمني، وإنما تطور في شكل التجربة ومضمونها.
وفي الموسم الثالث تحديدًا، بدا واضحًا أن «الكلام علي مين» أصبح أكثر قدرة على صناعة حالة خاصة حول حلقاته، خصوصًا مع اتساع دائرة التفاعل ووصول أصداء البرنامج إلى أسماء فنية متعددة، حيث لم يقتصر الحضور على نجوم من الوطن العربي، وإنما امتد إلى شخصيات فنية من خارج المنطقة، وبينها أسماء هندية وتركية، الأمر الذي يضيف بُعدًا آخر إلى تجربة برنامج يعتمد في الأساس على أدوات بسيطة لكنه يحاول أن يصنع تأثيرًا يتجاوز الإمكانات الإنتاجية المتاحة له.
وتأتي أهمية هذه التجربة أيضًا من المفارقة الواضحة بين بساطة الإمكانات وحجم الحضور الذي استطاع البرنامج تحقيقه، فـ«الكلام علي مين» لم يبدأ باعتباره مشروعًا ضخمًا بإنتاج تلفزيوني تقليدي أو ميزانية كبيرة، وإنما اعتمد بصورة أساسية على الفكرة والكتابة والأداء الصوتي والقدرة على تقديم الشخصية الفنية من زاوية مختلفة، ومع ذلك استطاع أن يلفت الانتباه ويحافظ على استمراريته وصولًا إلى أكثر من 70 حلقة، وهو رقم يعكس حجم المجهود والاستمرارية التي احتاجتها التجربة، خصوصًا في وقت أصبحت فيه المنافسة على جذب انتباه الجمهور أكثر صعوبة، وأصبح الاستمرار في صناعة محتوى متجدد تحديًا في حد ذاته.
وتقف الإعلامية مريم عوض في قلب هذه التجربة، بعدما ارتبط اسمها بتقديم «الكلام علي مين» ومنحه حضوره أمام الجمهور، بينما يحمل البرنامج في هويته الإبداعية إعداد الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر، الذي ارتبطت رؤيته بفكرة تحويل الحكاية الفنية إلى مساحة تسمح بالسؤال والتأمل والربط بين الشخصية وما يحيط بها من دلالات، بعيدًا عن الاكتفاء بسرد المعلومات أو استعراض الأعمال الفنية بصورة مباشرة، لتصبح كل حلقة محاولة لفتح باب جديد أمام الجمهور كي ينظر إلى الشخصية التي يتناولها البرنامج من زاوية ربما لم ينتبه إليها من قبل.
وهنا تحديدًا تظهر خصوصية «الكلام علي مين»، فالبرنامج لا يتعامل مع الحكم والأمثال الشعبية باعتبارها مجرد جمل قديمة تضاف إلى النص لإضفاء طابع تراثي، وإنما يحاول توظيفها باعتبارها جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية، ثم وضعها في سياق فني وإعلامي حديث، وهو ما يمنح الحلقة أكثر من مستوى للمتابعة؛ مستوى يتعلق بالشخصية الفنية، ومستوى آخر يتعلق باللغز أو السؤال الذي يقدمه البرنامج، ومستوى ثالث يستدعي ذاكرة الجمهور مع الأمثال والحكم التي تربت عليها أجيال متعاقبة، لتلتقي الثقافة الشعبية بالمحتوى الفني في مساحة واحدة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب اختلاف البرنامج عن كثير من المحتويات التي تعتمد على أخبار المشاهير أو التريندات العابرة، لأن «الكلام علي مين» يحاول أن يبني محتواه على فكرة قابلة للاستمرار، لا على حدث ينتهي بانتهاء لحظته، فالحلقة لا تعتمد فقط على أن يكون الفنان حاضرًا في الأخبار، وإنما على إمكانية صياغة حكاية حوله وطرح سؤال عنه وربطه بمعنى أو حكمة أو موقف، وهو ما يسمح للبرنامج بالتحرك بحرية بين أسماء مختلفة وأجيال مختلفة وتجارب فنية متباينة.
كما أن وصول البرنامج إلى حاجز الـ70 حلقة في موسمه الثالث يطرح سؤالًا مهمًا حول معنى النجاح في صناعة المحتوى، فالأرقام وحدها لا تختصر التجربة، لكن القدرة على الاستمرار والتجدد وخلق هوية يعرف الجمهور من خلالها البرنامج قبل أن يبدأ، تمثل جانبًا أساسيًا من أي تجربة إعلامية تبحث عن مكان لها وسط عشرات الآلاف من المواد التي تُنتج يوميًا، ولذلك فإن الاحتفال بهذا الرقم يأتي باعتباره احتفالًا بفكرة استطاعت أن تعبر أكثر من مرحلة، لا بمجرد عدد حلقات تم إنتاجها.
والأكثر أهمية أن البرنامج استطاع أن يصنع حالة من التفاعل مع المشاهير أنفسهم، فإعادة مشاركة بعض الفنانين لحلقاته والتفاعل معها منح التجربة بعدًا مختلفًا، لأن العلاقة هنا لم تعد بين برنامج وجمهور فقط، وإنما أصبحت هناك مساحة يتقاطع فيها المحتوى مع أصحاب الأسماء التي يتناولها، وهو ما يمنح البرنامج فرصة للوصول إلى جمهور جديد في كل مرة يعاد فيها تداول إحدى حلقاته أو الإشارة إليها من جانب شخصية فنية.
ومع انتقال «الكلام علي مين» من موسم إلى آخر، أصبحت التجربة أقرب إلى مشروع إعلامي له ملامحه الخاصة، وليس مجرد فقرة أو سلسلة حلقات منفصلة، وهو ما يفسر حالة الاحتفاء التي صاحبت تجاوز حاجز الـ70 حلقة، خاصة أن البرنامج استطاع الوصول إلى قوائم وعمليات بحث عبر جوجل والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، إلى جانب حضوره بين جمهور عربي وأسماء فنية من خارج المنطقة، وهي مؤشرات تعكس اتساع دائرة الاهتمام بالتجربة، مع بقاء نجاح أي محتوى رقمي مرتبطًا بطبيعة المنصة والجمهور وطريقة قياس المشاهدة والتفاعل.
وفي النهاية، تبدو قصة «الكلام علي مين» أكثر ارتباطًا بالإصرار على تطوير الفكرة من ارتباطها بالإمكانات، فبرنامج بدأ بإمكانات بسيطة استطاع أن يصل إلى موسم ثالث وأكثر من 70 حلقة، وأن يحافظ على مساحة خاصة له وسط المحتوى الفني المتنوع، وأن يقدم خلطة تجمع بين التراث الشعبي والأمثال والحكم والألغاز والقراءة الفنية في قالب إعلامي مختلف، بينما تواصل الإعلامية مريم عوض رحلتها مع البرنامج، ويستمر الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر في إعداد محتواه، لتبقى الحكاية مفتوحة على حلقات جديدة ومغامرات إعلامية أخرى، خصوصًا أن الموسم الثالث لم يصل بعد إلى نهايته، وأن «الكلام علي مين» يستعد لمواصلة رحلته بحثًا عن أسئلة جديدة وشخصيات جديدة وحكايات يمكن أن تتحول من مجرد حلقة إلى لحظة تفاعل جديدة مع الجمهور.
